حتى لا يصبح ما نتعلمه حبراً على ورق

Picture11

 

كاتب المقال: أ. د. صالح بن سليمان الرشيد

عميد كلية الدراسات التطبيقية وخدمة المجتمع.. جامعة الدمام

 

“الآن عليك أن تنسى ما تعلمته في الجامعة”

ربما تكون هذه الجملة هي أول وأكبر مشكلة نفسية تواجه خريج الجامعة في يوم مولده كموظف، هذه الجملة المكونة من كلمات بسيطة ولكنها تختزل في طياتها مأساة إنسانية ومجتمعية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فمن يردد هذه العبارة على مسامع الآخرين في مؤسسة أو شركة أو جهة لا يدرك أنه كمن يمسك بمطرقة من حديد ويهوي بها على رؤوس الآخرين، أو كمن يطفئ شموع الأمل والتفاؤل في قلوبهم، فكيف لإنسان قضى سنوات عديدة في تحصيل العلم يبذل فيها الغالي والرخيص ومن ورائه أب وأم تحملا الكثير من المشقة والعناء حتى يستكمل هذا الابن تعليمه، ثم يفاجأ مع أول خطوة في حياته العملية بأن ما تعلمه مجرد حبر على ورق، وأن عليه أن يبدأ من جديد ومن أول السطر. من المتسبب الحقيقي في تلك المأساة؟

في اعتقادي الشخصي أن أنظمة الجامعة وأساتذتها يتحملون المسؤولية الكبرى في هذا المجال لأنهم بمنتهى البساطة لم يتمكنوا من تسويق نظرياتهم ومفاهيمهم في البيئة التي يعملون فيها، مازالت جامعاتنا تعمل في جزيرة معزولة عن المجتمع، ومازال أساتذة الجامعات يقبعون في أبراجهم العاجية وعلى من يريد التواصل معهم أو طلب المساعدة أو المعرفة أن يرتفع إليهم، فهم ليسوا على استعداد للهبوط أو النزول بنظرياتهم إلى أرض الواقع. وإن كان نزولهم الآن أصبح اضطرارياً للبحث عن مزيد من العائد المادي بتسويق منتجاتهم للمؤسسات والجهات العاملة في المجتمع.

حتى الآن لم يستطيعوا إقناع المؤسسات بمختلف مجالاتها بتبني النظم العلمية الحديثة في العمل، ولم يلتحموا بالواقع ليدركوا المشكلات التي تعاني منها تلك المؤسسات، ومن ثم تقديم حلول علمية فعالة لهذه المشكلات، لم يبذلوا مجهوداً حقيقياً في تطوير المناهج التي يقومون بتدريسها للطلاب كي تتواءم مع التغيرات الحادثة في مجالات العمال المختلفة.الحقيقة أن ما يتم تدريسه لطلاب الجامعة في المجالات المختلفة، وبصفة خاصة في المجالات النظرية ليست له علاقة واضحة بالممارسات في واقع العمل، وهذا ليس سبباً بل نتيجة، السبب هو أن أساتذة الجامعة اعتبروا أن الطالب هو عميلهم النهائي بلغة التسويق، واعتبروا أن وظيفتهم هي إعطاء المعرفة فقط التي تثري عقل وثقافة المتلقي، وتجعله قادراً على القيام بدور ايجابي في المجتمع، هم وقفوا عند الحدود التقليدية للوظيفة وعند الحد الأدنى للعطاء، لم يدركوا أن عليهم ممارسة دور ايجابي في تطوير مؤسسات المجتمع وتقديم مخرجات بشرية وعلمية تحقق طموحات تلك المؤسسات وطموحات المجتمع بأكمله. حتى الآن لم يستطيعوا إقناع المؤسسات بمختلف مجالاتها بتبني النظم العلمية الحديثة في العمل، ولم يلتحموا بالواقع ليدركوا المشكلات التي تعاني منها تلك المؤسسات ومن ثم تقديم حلول علمية فعالة لهذه المشكلات، لم يبذلوا مجهوداً حقيقياً في تطوير المناهج التي يقومون بتدريسها للطلاب كي تتواءم مع التغيرات الحادثة في مجالات العمل المختلفة. من ناحية أخرى فان مؤسسات الأعمال في المجتمع (الرسمية والخاصة)، تتحمل جزءاً من المسؤولية لأنها ما زالت لا تعطي للعلم منزلته التي يستحقها، فالقائمون على تلك المؤسسات تنقطع صلتهم بالعلم وبتجديد الأفكار والمفاهيم بمجرد تخرجهم من الجامعة، حتى أن كثيراً منهم ربما يكون آخر كتاب قرأه هو آخر كتاب درسه بالجامعة، ومازالت تلك المؤسسات تطبق مفاهيم ونظما عتيقة في العمل يتطبع بها الممارسون له ويصبحون من هواة ترديد عبارة “الآن عليك أن تنسى ما تعلمته في الجامعة”.

 هناك عداء غريب بين المهنيين وبين الأكاديميين والنظريات الأكاديمية، فالأكاديميون يرون أن الممارسين للعمل والمهنيين ومؤسسات الأعمال لا يفقهون شيئاً، وأنهم يرتكبون أخطاء جسيمة في العمل، والمهنيون يرون أن الأكاديميين هم فقط أصحاب نظريات لا تسمن ولا تغني من جوع، ويزداد هذا العداء مع أنظمة تفرض العزلة بين مؤسسات المجتمع العلمية والمهنية، والدليل على ذلك أن أستاذ الجامعة في بلدنا حتى الآن لا يستطيع أن يمارس عملا خاصا في مجال الاستشارات والتدريب.

يجب أن تبنى أنظمة جديدة تكفل تحقيق درجة مرتفعة من التفاعل بين الجامعات والمراكز العلمية، وبين المؤسسات والجهات المهنية، هذه الأنظمة تسير في ثلاثة اتجاهات رئيسية: الاتجاه الأول يتعلق بتأسيس مراكز جامعية مهمتها تقديم مخرجات تستفيد منها المؤسسات في مجال عملها، قد تكون هذه المخرجات في صورة أبحاث أو أساليب وإجراءات عمل أو أفكار أو حلول لمشكلات، وإن كانت هناك مراكز بهذا النمط فيجب تدعيم إمكانياتها المادية والبشرية وإدارتها بفكر تسويقي محترف.  الاتجاه الثاني يتعلق بمطالبة أساتذة الجامعات بتطوير مناهجهم من خلال تزويدها بمكونات عملية تنبع من الممارسات في الواقع، وأن تكون هناك لجنة تقييم لتلك المناهج للتأكد من أنها ترتبط بواقع العمل ومستجداته. الاتجاه الثالث يتعلق بإتاحة الفرصة كاملة لأستاذ الجامعة في ممارسة العمل الخاص في مجال الاستشارات والأبحاث والتدريب، فنحن نكاد نكون البلد الوحيد الذي يحرم على أستاذ الجامعة العمل الخاص، وربما هذا الاقتراح على وجه التحديد سيساهم بشكل فاعل في  خلق فرص جديدة للعمل. يجب أن ندرك أنه لا توجد مشكلات بلا حلول، فقط علينا أن نخلص النية ونجتهد في العمل، وندرك أننا جميعاً في مركب واحد بغيته أن يرسو على شاطئ التقدم والرقي.

 

الصورة بعدسة: عبدالله السعد

للانتقال إلى المقال في جريدة اليوم.. اضغط: هنا

 Creative Commons License
كتاب آت by Abdullah Ali is licensed under a Creative Commons Attribution-NonCommercial-NoDerivs 3.0 Unported License.
Permissions beyond the scope of this license may be available at www.aalsaad.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*